محمد بيومي مهران
204
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
قداسة هذين الصنمين ، إنما كانت مقصورة على قريش ، وأن القبائل الأخرى لم تكن تشاركها في تقديسهما ، وربما كان هذا هو السبب في الروايات التي دارت حولهما ، وأنهما صنمان استوردهما القوم من الشام ، وإن ذهبت روايات إلى أنهما من اليمن ، من جرهم ، هذا وقد نصب القرشيون كذلك على جبل الصفا صنما يقال له « مجاور الريح » ، وآخر على جبل المروة ، دعوه « مطعم الطير » « 1 » . ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القوم لم يكونوا شديدي الإيمان بأصنامهم ؛ حتى أن العرب كانت إذا حجت إلى الكعبة ، سألت قريشا عن تلك الأصنام ، فكانوا يقولون لهم ، إنما نعبدها لتقربنا إلى اللّه زلفى ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى « وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » « 2 » ، وفي هذا إشارة إلى أن القوم إنما كانوا يعتقدون بوجود اللّه ، ولكنهم يخلطون إيمانهم هذا بعبادة الأصنام واتخاذ الأولياء والشفعاء لتقربهم إلى اللّه زلفى « 3 » ، هذا إلى أن قريشا إنما كانت تلبيتها عند الكعبة « لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك » « 4 » ، هذا فضلا عن قلة احتفاء الجاهلين بتلك الأوثان والأصنام التي لا نجد لها ذكرا ، إلا في مناسبات معينة ، كما أنها لم تحل عند القوم محل اللّه ، كما اتفق عند غير العرب ، وعند غير الساميين على الأخص « 5 » .
--> ( 1 ) مروج الذهب 2 / 23 ، تاريخ اليعقوبي 1 / 254 - 155 - تاريخ الطبري 2 / 241 ، 284 ، ياقوت 1 / 170 ، الأزرقي 1 / 88 ، 119 - 122 ، ابن حبيب ص 311 ، ابن كثير 2 / 191 ، تفسير القرطبي 2 / 179 - 180 ، العقد الثمين 1 / 212 ، الروض الآنف 1 / 64 - 65 ، ابن هشام 1 / 86 ، جواد علي 6 / 267 ( 2 ) سورة الزمر : آية 3 ( 3 ) أنظر : سورة الأنعام : آية 148 ، سورة النحل : آية 35 ، سورة الزمر : آية 3 ( 4 ) تاريخ اليعقوبي 1 / 255 ، ابن حبيب ص 311 ( 5 ) عمر فروخ : تاريخ الجاهلية ص 159